فخر الدين الرازي

229

تفسير الرازي

متاجر أهل مكة كانت إلى هذه البلاد ، وقرئ : * ( بشق الأنفس ) * بكسر الشين وفتحها ، وأكثر القراء على كسر الشين . والشق المشقة والشق نصف الشيء ، وحمل اللفظ ههنا على كلا المعنيين جائز ، فإن حملناه على المشقة كان المعنى : لم يكونوا بالغيه إلا بالمشقة ، وإن حملناه على نصف الشيء كان المعنى : لم يكونوا بالغيه إلا عند ذهاب النصف من قوتكم أو من بدنكم ويرجع عند التحقيق إلى المشقة . ومن الناس من قال : المراد من قوله : * ( والأنعام خلقها ) * الإبل فقط بدليل أنه وصفها في آخر الآية بقوله * ( وتحمل أثقالكم إلى بلد لم تكونوا بالغيه ) * وهذا الوصف لا يليق إلا بالإبل . قلنا : المقصود من هذه الآيات تعديد منافع الأنعام فبعض تلك المنافع حاصلة في الكل وبعضها مختص بالبعض ، والدليل عليه : أن قوله : * ( ولكم فيها جمال ) * حاصل في البقر والغنم مثل حصوله في الإبل . والله أعلم . المسألة الثانية : احتج منكرو كرامات الأولياء بهذه الآية فقالوا : هذه الآية تدل على أن الإنسان لا يمكنه الانتقال من بلد إلى بلد إلا بشق الأنفس ؛ وحمل الأثقال على الجمال ومثبتو الكرامات يقولون : إن الأولياء قد ينتقلون من بلد إلى بلد آخر بعيد في ليلة واحدة من غير تعب وتحمل مشقة ، فكان ذلك على خلاف هذه الآية فيكون باطلاً ، ولما بطل القول بالكرامات في هذه الصورة بطل القول بها في سائر الصور ، لأنه لا قائل بالفرق . وجوابه : أنا نخصص عموم هذه الآية بالأدلة الدالة على وقوع الكرمات . والله أعلم . قوله تعالى * ( وَالْخَيْلَ واَلْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ ) * اعلم أنه تعالى لما ذكر منافع الحيوانات التي ينتفع الإنسان بها في المنافع الضرورية والحاجات الأصلية ، ذكر بعده منافع الحيوانات التي ينتفع بها الإنسان في المنافع التي ليست بضرورية ، فقال : * ( والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة ) * وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : قوله : * ( والخيل والبغال والحمير ) * عطف على الأنعام ، أي وخلق الأنعام لكذا وكذا ، وخلق هذه الأشياء للركوب . وقوله : * ( وزينة ) * أي وخلقها زينة ، ونظيره قوله تعالى : * ( زينا السماء الدنيا بمصابيح وحفظا ) * ( فصلت : 12 ) المعنى : وحفظناها حفظاً . قال الزجاج : نصب قوله : * ( وزينة ) * على أنه مفعول له . والمعنى : وخالقها للزينة . المسألة الثانية : احتج القائلون بتحريم لحوم الخيل بهذه الآية . فقالوا منفعة الأكل أعظم